يا أخوتي لا نحب بالكلام أو باللسان فقط بل بالعمل والحق

 

موضوع الفقر وكيف ينظر إليه الكتاب المقدس ورب الكتاب المقدس أمر في غاية من الأهمية. فعدم اكتراث رب الكون بالفقراء يعني الكثير ويضع إيماننا المسيحي في موقف محرج جداً، فربنا الرحيم والمحب كما يدّعي البعض لا يهتم بموضوع الفقراء. وهذا محض افتراء.

يوحنا ذهبي الفم (347-407) وقد كان  رئيس أساقفة القسطنطينية ومفسّرا بارعا للكتاب المقدّس وغزير الانتاج. ووعظ بشكل موسّع حول قضايا الثروة والمسؤولية الاجتماعية للأغنياء تجاه الفقراء، فقال: "عدم تمكين الفقراء مشاركتنا يعني سرقتهم وحرمانهم من الحياة، فما نمتلكه ليس لنا لكن لهم، كل ثروات العالم هي لك بالشراكة مع الآخرين، كالشمس والهواء والأرض وجميع الأمور الأخرى. لا تقل: أنا أستخدم ما هو لي بل أنت تستخدم ما هو للآخرين."

ويشدد يوحنا الذهبي الفم على أن حميمية العلاقة مع الله تتأثر بانعدام الرحمة والإحسان، ويكتب قائلاً :" عندما تمل من الصلاة ولا تلقى جواباً، تذّكر كم مرة سمعت صراخ رجل فقير ولم تستمع إليه."

أما باسيليوس القيصريّ الذي عاش بالفترة من 330-379، وكان أسقفاً لقيصرية، ويشار إليه أحيانًا بـ باسيليوس الكبير. كان من اللاهوتيين الأساسيين كما كان كاهنًا ومعروفًا بعمله بين الفقراء الذين لم يتمتّعوا بامتيازاتٍ مثل الآخرين. في عام 368 م، ضرب جفافٌ شديدٌ منطقة آسيا الصغرى، وتفاقمت عواقبه بسبب جشع بعض التجار الذين احتجزوا بعض الحبوب المتوفّرة بهدف رفع أسعارها بشكل هائل. فقدّم عظة عنوانها، "إلى الأغنياء" (العظة السابعة) ارتكزت على متّى 19 :16-22، عندما سأل الشاب الغني يسوع، ماذا يجب أن يفعله ليرث الحياة الأبدية. وفي العظة الثامنة، حيث يعالج مسألة الجفاف والمجاعة، وتستند على عاموس 3: 8، يذكّر أنّ الكارثة التي تعم كل الوطن في المنطقة يمكن إرجاعها إلى خطيئة كل شعب الوطن، لا سيّما خطيّة إهمال الفقراء.

وقد اشتملت خدمته على رعاية الفقراء والمرضى، وقام بتنظيم مطابخ لتقديم الطعام خلال فترة المجاعة التي أعقبت الجفاف. فاكتظت بوابات قيصرية بشكل هائل بسبب المساعدة التي قدمها. تخلّى باسيليوس عن إرثه العائلي الشخصي لمساعدة الفقراء. قام ببناء مجّمعٍ كبيرٍ خارج قيصرية يسمى باسيلياد Basiliad، شمل نزلًا للعجزة، ومستشفى، وملجأً، وقد اُعتُبِر واحدًا من عجائب العالم في ذلك الوقت. لم يشارك في أعمال الرحمة فحسب، بل كان مهتمًا بالعدالة أيضًا. تشير بعض رسائله إلى أنّه عمل على إصلاح العاملات في الدعارة واللصوص، وانتقد المسؤولين الذين فشلوا في أداء واجباتهم في تطبيق العدالة.

أعود هنا إلى بداية إنتشار المسيحية في القدس وبالتحديد إلى سفر الاعمال الإصحاح الثالث منه حيث نقرأ قصة شفاء رجل أعرج على يد الرسولين بطرس ويوحنا: "1وَصَعِدَ بُطْرُسُ وَيُوحَنَّا مَعًا إِلَى ٱلْهَيْكَلِ فِي سَاعَةِ ٱلصَّلَاةِ ٱلتَّاسِعَةِ. 2وَكَانَ رَجُلٌ أَعْرَجُ مِنْ بَطْنِ أُمِّهِ يُحْمَلُ، كَانُوا يَضَعُونَهُ كُلَّ يَوْمٍ عِنْدَ بَابِ ٱلْهَيْكَلِ ٱلَّذِي يُقَالُ لَهُ «ٱلْجَمِيلُ» لِيَسْأَلَ صَدَقَةً مِنَ ٱلَّذِينَ يَدْخُلُونَ ٱلْهَيْكَلَ. 3فَهَذَا لَمَّا رَأَى بُطْرُسَ وَيُوحَنَّا مُزْمِعَيْنِ أَنْ يَدْخُلَا ٱلْهَيْكَلَ، سَأَلَ لِيَأْخُذَ صَدَقَةً. 4فَتَفَرَّسَ فِيهِ بُطْرُسُ مَعَ يُوحَنَّا، وَقَالَ: «ٱنْظُرْ إِلَيْنَا!».5فَلَاحَظَهُمَا مُنْتَظِرًا أَنْ يَأْخُذَ مِنْهُمَا شَيْئًا. 6فَقَالَ بُطْرُسُ: «لَيْسَ لِي فِضَّةٌ وَلَا ذَهَبٌ، وَلَكِنِ ٱلَّذِي لِي فَإِيَّاهُ أُعْطِيكَ: بِٱسْمِ يَسُوعَ ٱلْمَسِيحِ ٱلنَّاصِرِيِّ قُمْ وَٱمْشِ!». 7وَأَمْسَكَهُ بِيَدِهِ ٱلْيُمْنَى وَأَقَامَهُ، فَفِي ٱلْحَالِ تَشَدَّدَتْ رِجْلَاهُ وَكَعْبَاهُ، 8فَوَثَبَ وَوَقَفَ وَصَارَ يَمْشِي، وَدَخَلَ مَعَهُمَا إِلَى ٱلْهَيْكَلِ وَهُوَ يَمْشِي وَيَطْفُرُ وَيُسَبِّحُ ٱللهَ. 9وَأَبْصَرَهُ جَمِيعُ ٱلشَّعْبِ وَهُوَ يَمْشِي وَيُسَبِّحُ ٱللهَ.10وَعَرَفُوهُ أَنَّهُ هُوَ ٱلَّذِي كَانَ يَجْلِسُ لِأَجْلِ ٱلصَّدَقَةِ عَلَى بَابِ ٱلْهَيْكَلِ ٱلْجَمِيلِ، فَٱمْتَلَأُوا دَهْشَةً وَحَيْرَةً مِمَّا حَدَثَ لَهُ.

من الملاحظ أن بطرس ويوحنا لم يملكا شيئاً ليعينا به هذا الأعرج المسكين، نظرا إليه وتحدثا معه ونظر إليهما متوقعاً أن يهباه شيئاً. توقع أن يهباه حسنة أو صدقة لكنهما وهباه ما هو اعظم: "باسم يسوع المسيح الناصري(أي من الناصرة) قم وامشِ!" وامسكه بطرس بيده اليمنى وأقامه فوقف ومشى معهما ودخل الهيكل معهما، وفي الهيكل كان يسبّح الله.

في أعمال 4 نقرأ كيف أن الكنيسة اهتمت بأن لا يكون احد بينها محتاجاً "32وَكَانَ لِجُمْهُورِ ٱلَّذِينَ آمَنُوا قَلْبٌ وَاحِدٌ وَنَفْسٌ وَاحِدَةٌ، وَلَمْ يَكُنْ أَحَدٌ يَقُولُ إِنَّ شَيْئًا مِنْ أَمْوَالِهِ لَهُ، بَلْ كَانَ عِنْدَهُمْ كُلُّ شَيْءٍ مُشْتَرَكًا. 33وَبِقُوَّةٍ عَظِيمَةٍ كَانَ ٱلرُّسُلُ يُؤَدُّونَ ٱلشَّهَادَةَ بِقِيَامَةِ ٱلرَّبِّ يَسُوعَ، وَنِعْمَةٌ عَظِيمَةٌ كَانَتْ عَلَى جَمِيعِهِمْ،34إِذْ لَمْ يَكُنْ فِيهِمْ أَحَدٌ مُحْتَاجًا، لِأَنَّ كُلَّ ٱلَّذِينَ كَانُوا أَصْحَابَ حُقُولٍ أَوْ بُيُوتٍ كَانُوا يَبِيعُونَهَا، وَيَأْتُونَ بِأَثْمَانِ ٱلْمَبِيعَاتِ،35وَيَضَعُونَهَا عِنْدَ أَرْجُلِ ٱلرُّسُلِ، فَكَانَ يُوزَّعُ عَلَى كُلِّ أَحَدٍ كَمَا يَكُونُ لَهُ ٱحْتِيَاجٌ. 36وَيُوسُفُ ٱلَّذِي دُعِيَ مِنَ ٱلرُّسُلِ بَرْنَابَا، ٱلَّذِي يُتَرْجَمُ ٱبْنَ ٱلْوَعْظِ، وَهُوَ لَاوِيٌّ قُبْرُسِيُّ ٱلْجِنْسِ، 37إِذْ كَانَ لَهُ حَقْلٌ بَاعَهُ، وَأَتَى بِٱلدَّرَاهِمِ وَوَضَعَهَا عِنْدَ أَرْجُلِ ٱلرُّسُلِ."

إن اهتمام آباء الكنيسة بالفقراء لم يكن إلا انعكاساً لتعليم الكتاب المقدس الذي يشدد على الاهتمام بالفقراء، لم تكن محبة المؤمنين للفقراء والاكتراث بهم بالكلام أو باللسان بل بالعمل والحق.